ابن الجوزي
137
صيد الخاطر
عطش الهوى في هجير المشتهى وان أمضّ وأرمض ، فإذا بلغت النهاية من الصبر فاحتكم وقل . فهو مقام من لو أقسم على اللّه لأبره . تاللّه لولا صبر عمر ما انبسطت يده بضرب الأرض بالدرّة ، ولولا جدّ أنس بن النضر في ترك هواه . وقد سمعت من آثار عزمته « لئن أشهدني اللّه مشهدا ليرين اللّه ما أصنع » فأقبل يوم أحد يقاتل حتى قتل فلم يعرف الا ببنانه . فلو لا هذا العزم ما كان للانبساط ، يوم « واللّه لانكسر سن الربيع « 1 » » وجه ، باللّه عليك تذوق حلاوة كفّ الكفّ عن المنهي ، فإنها شجرة تثمر عز الدنيا وشرف الآخرة ، ومتى اشتد عطشك إلى ما تهوى فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الريّ الكامل ، وقل قد عيل صبر الطبع في سنيه العجاف ، فعجل لي العام « 2 » الذي فيه أغاث وأعصر . باللّه عليك تفكر فيمن قطع أكثر العمر في التقوى والطاعة ثم عرضت له فتنة في الأخير ، كيف نطح مركبه الجرف فغرق وقت الصعود . أف واللّه للدنيا لا بل للجنة إن أوجب نيلها إعراض الحبيب ! انما نسب العامي باسمه واسم أبيه ، فأما ذوو الأقدار فالألقاب قبل الأنساب . قل لي من أنت وما عملك وإلى أي مقام ارتفع قدرك ، يا من لا يصبر لحظة عما يشتهي . باللّه عليك أتدري من الرجل ؟ الرجل واللّه من إذا خلا بما يحب من المحرم وقدر عليه وتقلقل عطشا اليه نظر إلى نظر الحق اليه فاستحى من اجالة همه فيما يكرهه ، فذهب العطش . كأنك لا تترك لنا الا ما لا تشتهي ؟ أو ما لا تصدق الشهوة فيه ؟ أو ما لا تقدر عليه ؟ كذا واللّه عادتك إذا تصدقت أعطيت كسرة لا تصلح لك ، أو في جماعة يمدحونك ؟ هيهات واللّه لا نلت ولا يتنا حتى تكون معاملتك لنا خالصة . تبذل أطائبك ، وتترك مشتهياتك ، وتصبر على مكروهاتك ، علما منك ان كنت
--> ( 1 ) راجع القصة في سيرة ابن هشام . ( 2 ) السنة لأيام الجدب ومن ذلك قوله « اسنت القوم » و « أصابتهم السنة » والعام لأيام الخصب ، اذكر آيات سورة يوسف .